كريم حمادي
رئيس شبكة الإعلام العراقي
حين يُعرض ” اسمي حسن ” على شاشة قناة العراقيَّة العامَّة ، نفتح جرحاً قديماً تعلّمنا أنْ نُخبِّئه في أعماقنا . هو ليس عملاً دراميّاً فحسب ، بل استدعاءٌ لذاكرةٍ حاولنا أنْ نُهادنها ، فإذا بها تعود كلَّ مرَّةٍ أكثر حضوراً ، وأشدَّ إيلاماً.
عبد الكاظم عبد السادة صالح..
اسمٌ بسيط ، يُشبه آلاف الأسماء التي مرَّتْ بهدوءٍ في سجلّات المدارس ، وفي دفاتر الدوائر الرسميَّة ، وفي بطاقات الأحوال المدنيَّة . شابٌّ أعزب من ميسان ، مواليد (1954) ، خرّيج معهد تكنولوجيا ، يسكن الطوبجي . حياةٌ اعتياديَّة ، لا تُشبه سوى نفسها : أمٌّ تنتظر ، أخٌ يُمازحه ، وبيتٌ يعرف وقع خطواته عند المساء .
لم يكنْ مشروع شهيد ، ولا معارضاً يحمل بياناً سريّاً ، ولا بطلاً يبحث عن مجدٍ . كان يُريد فقط أنْ يعيش ، أنْ يعمل ، أنْ يفرح بالعيد ، أنْ يختار ملابس جديدةً لطفلٍ يُحبِّه .
في ليلةٍ باردةٍ من عام (1979) ، عند الثانية فجراً ، تغيّر شكل الليل . لم يَعُدِ الليل ستراً ، بل صار شاهداً . طرقاتٌ ثقيلةٌ على الباب ، ارتجافٌ في القلوب ، وأصواتٌ لا تحمل تفسيراً . اقتيد بلا وداعٍ يليق بوداع.
آخر صورةٍ له: أخذني إلى شارع النهر ليختار لي ملابس العيد . كان ذلك يوم عرفة . وفي فجر العيد جاء الاعتقال … كأنَّ الفرح كان جريمة.
منذ تلك اللحظة ، لم يعد الزمن زمناً . صار انتظاراً.
شهورٌ من الطرق على أبوابٍ لا تُفتح . مراجعاتٌ إلى دوائر الأمن ، إلى سجن أبو غريب ، إلى مديريَّة الأمن العامَّة ، إلى ممرّاتٍ طويلةٍ تفوح منها رائحة الخوف . وجوهٌ باردة ، إجاباتٌ مقتضبة ، صمتٌ أثقل من الحديد.
ثمَّ ورقة قرار إعدامٍ مؤرّخٍ في (1 / 1 / 1981).
سطران يُنهيان حياةً كاملة . أمّا الجسد فلمْ يُسلَّمْ . وأمّا القبر فظلَّ سؤالاً بلا عنوان.
ماتتْ أمه وهي تُحدّق في الباب ، ورحل أخوه الحاج حمادي وفي صدره سؤالٌ … لم يجدْ قبراً يضع عليه وردةً ، أين هو ؟ أيُّ ترابٍ احتواه ؟ وأيُّ سماءٍ شهدتْ لحظته الأخيرة ؟
لهذا ، حين يُعرض ” اسمي حسن ” ، لا يكون الأمر متابعةً لمسلسلٍ ، بل مواجهةٌ مع أنفسنا . حسن ليس شخصاً واحداً ، وعبد الكاظم ليس حالةً معزولة . إنهما اسمٌ جامعٌ لكلِّ الذين خرجوا ليلاً ولم يعودوا ، لكلِّ البيوت التي بقيتْ فيها الملابس معلّقةً كما هي ، ولكلِّ الأمهات اللواتي تعلّمْنَ أنْ يبكينَ بصمتٍ كي لا يسمع الجيران صوت الانكسار.
المسلسل يُعيد إلينا رعشة الانتظار ، وبرودة الممرّات ، وصوت الخطوات التي كانتْ تبتعد ولا تعود . يُعيد إلينا حقيقة أنَّ الألم لم يكنْ فرديّاً ، بل كان قدراً وطنيّاً تقاسمتْه البيوت كما تتقاسم الخبز.
قصة عبد الكاظم سطرٌ من فصولٍ كُتبتْ بالدمع والصبر . ” اسمي حسن ” لا يُعيد الغائبين ، لكنه يُذكّرنا أنَّ في هذا الوطن أسماءً لم تُدفنْ كما ينبغي ، وأنَّ ثمَّة أمهاتٍ رحلْنَ وهنّ يُردِّدْنَ : ربّما يعود.
ولأنهم لم يعودوا ، بقي العراق كلّه ينتظر..